في مستهل هذا العام الأمازيغي الجديد، لا تخفى على أحد ضرورتنا الماسة للالتزام بالقيم الاجتماعية والإنسانية والثقافية، الوطنية منها والكونية، للتعبير عن مشاعرنا وحاجاتنا لمواجهة التنكر لمكونات وهويات جسمنا الوطني وقضايانا الحيوية، الصغيرة منها والكبيرة.
لقد تم الخلط بين الهويات السياسية والهويات الثقافية مدة طويلة من الزمن، كما تم الخلط كذلك بين الثقافة المدنية والعرقية. والواقع أننا في حاجة اليوم إلى البحث عن مساحة ضوء جديدة لتفسير المجالات التي يمكن أن نبحث فيها ونعيد فحص الظروف التي أنتجتها وساعدتها على البقاء.
ما نعيشه اليوم من مشكلات ثقافية يتجلى في وعينا المحتشم بالحداثة، حيث ما زلنا في حاجة إلى جهد فردي وجماعي لربط هذه الأخيرة بعنصري الإسهام الإيجابي والالتزام، الذي يعني الاعتزاز بالمكونات الأساسية للشعب المغربي وعلى رأسها الاعتراف الصريح بالأمازيغية نظريا وعمليا وترسيمها في كل مجالات حياتنا، وبكل المكونات الثقافية الجهوية والمحلية، بعاداتها وتقاليدها، وبالحرية الفكرية الشخصية التي تتأسس عليها، وعدم التنازل عن معاييرها وأفكارها رغم الضغوط الإيديولوجية والاقتصادية والسياسية وكل أشكال الخنق الثقافي على حرية التفكير والانتماء والخلق والإبداع.
إن ما يجري في بلادنا حاليا من تعطيل لتفعيل العمل بالثقافات التاريخية والوطنية والجهوية والمحلية يجعلنا نعيش باستمرار بؤس زمننا. فالثقافة بعلمها وفكرها يجب أن تتسع رقعتها بدل التضييق عليها. حيث مازالت في المجتمع مناطق شاسعة ترزح تحت العتمة، غير مستقلة في كيانها بسبب هيمنة الثقافة المحافظة عليها، وبالتالي يجب اليوم الكشف عنها ومحاصرتها.
هذه الهيمنة هي التي تخترق المجتمع والدولة ونظام المعرفة. وفي كل مناسبة أمازيغية، يصبح مطلب الاستقلال الثقافي مطلبا حيويا لا يمكن له إلا أن يعزز سلامة وجودنا الضروري لاستمرار المجتمع والدولة.
ومشروع الاستقلال الثقافي هذا يجب أن يتميز بالانفتاح على كل الثقافات، ويتجاوز البعد القومي الضيق، لأن المطمح هو الانخراط في الثقافة الإنسانية ذات البعد الكوني.
وبصفة عامة، يمكن القول إن ما يجمع فئات عريضة من المجتمع المغربي اليوم هو وجود مواقف وأهداف وتصورات متقاربة، تنعش التعددية والعيش المشترك الاجتماعي والثقافي.
هناك أدلة كثيرة تثبت أشكال وأنماط الانتقال الثقافي لدى الإنسان، ولعل ما يثبت ذلك هو أن العلم يتطور باستمرار، والمعرفة تنمي المؤسسات الجامعية وتقدم التقنية ووسائل التواصل والاتصال والنشر، والوعي الاجتماعي والسياسي يتطور ويحسم التقدم بنضج لصالح التنمية ضد التخلف. إنه التفسير التطوري الدينامي للمعرفة البشرية في ضوء أبعادها التطورية التاريخية.
ويعتبر ما يراكمه الناس من تعديلات متواكبة-في الإبداع والاختراع-ومن عمليات التعلم الثقافي والأشكال الجديدة للتعلم الاجتماعي، مكسبا حضاريا يساعدهم على نشوء وتكوين اجتماعي متجدد، مبدع ومواطن، يجعل الأفراد يتوحدون مع مقاصد وأهداف، وينخرطون ويندمجون من جديد في مهارات التعلم الثقافي، للبحث وصياغة استراتيجيات ابتكارية وذكية عند مواجهة المشكلات الاجتماعية.
إن تراجع الفكر الاشتراكي بكل توجهاته ترك فراغا كبيرا استفاد منه الفكر القومي القائم على العرق وإعطاء الأولوية لما يقسم الناس على حساب ما يوحدهم. لكن رغم ذلك، أصبح من الواضح جدا أن الفكر التقدمي في العديد من أسسه وميادينه المعرفية ما زال يحمل لواء حركات التحرير. وعلى رأس هذا اللواء، اعتماد التقدم كمفهوم يصلح للتطبيق على المستوى العلمي.

فإذا كانت اللبرالية قد حققت ذاتها في العديد من الديناميات المجتمعية، فهي كذلك كانت أفضل الاستجابات للرؤية الماركسية الخاصة بقضية التحرر والانعتاق ذات الطابع العالمي. لقد أصبحت مدينة نورنبرغ الألمانية منذ سنة 1945 رمزا للعدالة وحقوق الإنسان حين احتضنت المحاكمات التي أجريت لمسؤولي النظام النازي بعد هزيمته أمام الحلفاء. ومنذ ذلك الحين، تم إقرار مبدأ محاكمة الجرائم ضد الإنسانية في محاكمة دولية لمعاقبة مرتكبيها، وسار فيما بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (سنة 1948) مبشرا بعهد جديد وبمعايير يجب على كل الدول تطبيقها واحترامها أمام المجتمع الدولي.
إن المواقف والمواجهات الاجتماعية وتحديات الحياة تدفعنا اليوم للتفكير في موضوع الثقافات البارزة المكونة للهوية الوطنية لكي لا يصب غضب الجماهير في الأصولية والشوفينية العرقية-الثقافية، لأن مثل هذه الظواهر صار من المستحيل تجاهلها. وللتذكير فقط، نستحضر رائد أسس السوسيولوجيا، ماكس فيبر، الذي تناول "الفعل العرقي للجماعة المحلية"، حيث كان يعتقد أن مثل العرقية والقومية ستنمحي مع الحداثة والتصنيع والفردانية. لكن بعد ما عاشته العديد من المجتمعات من حروب وصراعات استمرت إلى اليوم، يؤكد من جديد أن الأشكال المتعددة لسياسات الهوية ما زالت تستحق كل البحث والدراسة.
صحيح، يمكن القول إننا نعيش اليوم انتهاء الأيديولوجيات الكبرى المستوحاة من نظريات القرن التاسع عشر. وحتى الأيديولوجية الوطنية التي بنيت عليها الحركات التحررية منذ الخمسينات من القرن الماضي، لم يعد لها معنى. لذا، فالرجوع للبحث في أغوار الثقافة وتحررها من العرقية والأصولية باعتبارها ثقافة الإنسانية المشتركة، هو ضرورة تاريخية من أجل بناء ثقافة تتعلق بالأفكار والقيم والجمال، لمواكبة حركة الحاضر بأسلحة الاجتهاد والنقد في ضوء أسئلة الواقع المغربي، مسلحين في الآن نفسه بهاجس الوحدة باعتبارها البديل المناسب لتجاوز مختلف عثرات وهزائم واقعنا.
في عالم اليوم، ما زالت الهويات ذات النزعة المحافظة تعمل على إعادة إنتاج موروثها، وما زالت الهويات المزدوجة تصارع من أجل العيش بين الضفتين. وفي المقابل، هناك العولمة والمحلية، وهما حسب العديد من الأنثروبولوجيين عمليتان متداخلتان تعتمد إحداهما على الأخرى بالتبادل.
وفي الأخير، هناك من التداخل ما يكفي لأن يجعل الآراء التي ندافع عنها آراء تنبذ كل توافق بين العرقية والكراهية وإعلاء نعرة القومية. وإن أي تسييس لهويات الجماعات قد يجرنا إلى صراعات هامشية لن يستفيد منها سوى حراص المعبد، وأن النموذج الذي يجب أن نطمح إليه هو نموذج المواطنة التي يشترك فيها جميع المواطنين في مجموعة حقوق المواطنة المشتركة نفسها. كما أن ظهور ثقافة حقوق الإنسان، وما نتج عنها من نقض لشرعية الكراهية والعنصرية والعرقية، رفع من المثل العليا لحقوق الإنسان وجعلها تساعد في فهم الطريقة التي تشكلت بها القضايا المرتبطة بموضوع التعددية الثقافية، لكي تتوافق مع القيم والمعايير الحقوقية على الصعيد الدولي.
المريزق المصطفى
شارك على:

أضف تعليق:

0 تعليقًا حتى الآن ، أضف تعليقك