عاتبني بعض الأصدقاء على نشر تغريدة قبل أسبوعين حين لا حظت أن أكادير هي مدينة مستعصية على الفهم ؛ لما يخترقها من قرارات متناقضة حد وصف البعض منها بالعبثية .. ولم ننتظر كثيرا حتى كنا أمام هذا المشهد السوريالي . ففي الوقت الذي اجتمعت كل المؤسسات وتحت إشراف الولاية لوضع مشروع خارطة الطريق لإعادة تأهيل قصبة أكادير اوفلا كجزء من ذاكرة المدينة وإحدى معالمها الثراتية...وبمداخلات كل المعنيين المباشرين وغيرهم في هذا اليوم الدراسي بما فيهم رئيس الجماعة الحضرية للمدينة.. في ذات الوقت يتم تغيير معالم إحدى البنايات العمرانية من نفس الرئيس.. بل أكاد أجزم أن قرار االهدم قد اتخذ قبل اليوم الدراسي لفارق الزمن القصير بين الحدثين...
ألسنا أمام مشهد عبثي سوريالي ففي قاعتين مجاورتين تقريبا وبنفس الوجوه تقريبا وبقرارين متناقضين... واحد يدعوا إلى تحصين الذاكرة وإعادة تأهليها.. وقرار آخر يهدّم ويشوّه ما هو قائم أصلا...وإن كان الأمر لم يفاجئني كثيرا عند هذه الجماعة منذ توليها تدبير شؤون المدينة...لأنها صادقة ومنسجمة مع ذاتها منذ البلاغ رقم ( 1 ) الذي بشرتنا فيه مصالح البلدية بمجانية الكفن وللجميع لأنها تدرك من حيث لا ندري - نحن الغافلين – أن الموت قادم وعلى كل مفاصل حياة المدينة...ومن أهم تمظهراته ماسمي برفع اليد على وعاء عقاري في ملكية البلدية ومنطقة جد استراتيجية بالنسبة لمستقبل المدينة...ولأنهم بهكذا قرار يعلنون إفلاسها.... يمكن أن نضيف إلى ذلك ما سمي أيضا بغزونة حي القدس وطمس هويته وذاكرته بالنسبة للأجيال القادمة...
ولعل الفصل الثاني من مسلسل الموت هو ما تعرض مقر الجماعة الحضرية من تشويه وتغيير لمعالم بناية عمرانية صنفت ضمن الثرات الحضاري للمدينة مع ما تحمل من رمزية ذات بعد وطني ودولي وما تمثله من ذاكرة مشتركة لساكنة اليوم وللأجيال القادمة...وما يثير الشبهات أكثر في هكذا قرار حد استحضار سوء النية في خلفية اتخاذه هو توقيت بداية الشروع في الهدم.. هو بعد منتصف الليل بقليل حتى أن الجيران بالمنطقة أيقضهم صراخ وأنات هذه المعلمة التي رافقت عمر أجيال وأجيال...
كل هذا جعلني لم أفاجئ بعملية الهدم للذاكرة كتاريخ.. وكعمران بالنسبة لمشروع هذه الجماعة... لكن ما يدفع إلى الاستغراب هو أن إيقاف الهدم لم يتم من طرف السلطة الا بعد أن تحركت فعاليات مدنية وإعلامية وهيئة المهندسين المعماريين وقد وقع ما وقع...ليتساءل المرء عن عيون السلطة التي لا تنام...
إن ما وقع اليوم يجعلنا نتراجع عن مطالبنا بجلب منافع للمدينة.. بل صرنا أكثر خوفا من هدم وطمس ما هو قائم وموجود منذ بداية انبعاثها..
لا خير ولا أمل في كل تفكير هدام العمران كذاكرة تواصلية بين الاجيال... لذلك أخاف أن نستيقظ ذات يوم ونجد أن أكادير لم تعد قائمة... بعد أن كانت عاصمة
لأنهم يمارسون هواية هدم وطمس كل شئء بعد منتصف الليل بقليل...
يوسف غريب
شارك على:

أضف تعليق:

0 تعليقًا حتى الآن ، أضف تعليقك