بقدرما فرحت عندما سمعت ان الصديقة هدى الريحاني كُرّمت في مهرجان سلا الدولي لسينما المرأة، بقدرما احسست بمزيج من الحسرة وخيبة الأمل، لأن التكريم عادة يأتي في نهاية المشوار، بعد ان يكون الفنان شارك في لائحة طويلة من الاعمال، واستنفذ طاقته الإبداعية، فيما هدى لاتزال في قمة عطائها، لم تظهر الا جزء بسيطا مما عندها، ولم يستفد منها المسرح ولا السينما ولا التلفزيون كما ينبغي.
المشهد الفني مستنقع كبير، وعليك ان تتحول الى "فكرون" كي تستطيع العوم فيه، او الى طحلب لا يزعجه العفن كي تضمن تواجدا مستمرا في مختلف الإنتاجات. مثل كثير من الفنانين والفنانات الذين يحترمون أنفسهم، فضلت هدى الهجرة الى كندا من اجل تأمين مستقبل أفضل لها ولعائلتها، بدل الغرق في المستنقع. هناك غرقت في حياتها الجديدة، أقصى الثلج، وابتعدت تدريجيا عن الساحة، بسبب المسافة، مثلما ابتعد كثيرون قبلها وبعدها.
جميل ان يتذكرها مهرجان سلا ويعيد اليها الاعتبار، لكن في الوقت نفسه، من المؤسف ان نراها تتحدث عن مشوارها بصيغة الماضي، في الوقت الذي كان يفترض ان تأتي الى المهرجان كي تقدم فيلما جديدا، وتتحدث عن مشاريعها في الحاضر والمستقبل.
لا يمكن ان نلوم احدا على مغادرة البلاد، لان ممارسة الفن في المغرب اصبحت نضالا ومقاومة.
قبل ايّام، استنكر البعض هجرة خمسين خريجا من المعهد العالي للفن المسرحي الى الإمارات كي يدرّسوا المسرح في مؤسساتها التعليمية ويحصلوا على رواتب محترمة تمكنهم من العيش الكريم. الحدث مؤسف فعلا، لانه يحرم المشهد الفني من شباب في قمة العطاء، صرفت عليهم الدولة اموالا في التكوين والتعليم، لكنها لم "تكمل خيرها" وتركتهم عاطلين عن العمل، لو وفرنا لهؤلاء بيئة سليمة تستوعب طاقاتهم وطموحاتهم لما غادروا بشكل جماعي. "حتى مش ماكيهرب من دار العرس"!
رغم سياسة الدعم والتوطين وبطاقة الفنان وكثير من الشعارات... مازال الفن في المغرب مغامرة محفوفة بالمخاطر. ارتماءة في المجهول. الكثيرون يضيعون عمرهم في التضحية من اجل إسعاد الاخرين وفي النهاية يجدون أنفسهم في أرذل العمر بلا تقاعد ولا راتب ولا بيت ولا أسرة. قليلون فقط يستطيعون العيش من فنهم. الممثل الذي يخلص لمهنته لا يربح شيئا في النهاية الا التهميش والجحود. عندما تسمع فنانا مشهورا مثل محمد مفتاح يتحدث عن ضيق ذات اليد، ويرمي الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، لا يسعك الا ان تتحسر على وضع الفن في هذا البلد!
اعود الى تكريم هدى الريحاني، أعتقد أن ما أزعجني في حقيقة الامر هو أنها كانت زميلتي في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، حيث اقتسمنا الأحلام والحماقات. التكريم يأتي في نهاية الخدمة، ولا يعني شيئا آخر غير اننا كبرنا... عشرون سنة مرت على تخرجنا من المعهد، كأنها امس أو السنة الماضية، يكفي ان أشاهد وجها او صورة كي أعود الى "الاوداية" وتتناهى الى مسامعي أصوات تردد اغنية "افريقيا" لمجموعة "لرصاد"، التي كنا نعتبرها -لأسباب غامضة- "نشيدنا الوطني"، كلما اجتمعنا في حفلة او سهرة. الصديق مصطفى بهجة كان يغلق عينيه وهو يردد اللازمة: "افريقيا/ افريقيا/ إفريقيا.... ونحن نردد وراءه، قبل ان يواصل في كثير من الانسجام: "جميلة انت/ فتية انت/ سمراء فاتنة ساحرة / سلبت كل العيون/ جمعت كل الفنون/ إنسانك إنسانك شاب في العشرات الثانية/ انسانك شبح عانق الأرواح"... فيما عبد الصمد مفتاح الخير يعزف العود وليلى التريكي تداعب الگيتار وهدى الريحاني ترقص، وبشرى ايجورك ترفع صوتها الطفولي بالغناء... احاول ان أستحضر فيلما ترسخ في الذاكرة لهدى ولا أرى إلا "البرتقالة المرة"، الفيلم الناجح لبشرى ايجورك. بشرى كانت اصغر زميلة في دفعة "إفريقيا" بالمعهد العالي للمسرح... لماذا كبرنا بكل هذه السرعة؟!
جمال بودومة
شارك على:

أضف تعليق:

0 تعليقًا حتى الآن ، أضف تعليقك