Menu

فـــي الصــحون الطائـــرة مـــرة أخـــرى..

04.10.2017
فـــي الصــحون الطائـــرة مـــرة أخـــرى..

فـــي الصــحون الطائـــرة مـــرة أخـــرى..

  

تؤكد كثير من التعاليق والتحليلات التي أعقبت واقعة الصحون الطائرة، على وجود أياد أخرى غير أيادي المتنافسين داخل حزب الاستقلال وراء ما جرى. وبينما يشير كل من زاويته إلى كون هذه الواقعة مؤشرا على بؤس السياسة، واضمحلال المبادرة السياسية لدى القيادات الحزبية، وأزمة الديمقراطية الحزبية، راحت قيادات حزب الاستقلال ومناضلوه تهون من شأن ما جرى وتعتبره احتكاكا عابرا ويكاد يكون طبيعيا داخل أسرة متناغمة، وكاد بعضهم أن يقول إن ذلك مؤشر على حيوية الحزب وزخم عطاء مناضليه.

صحيح أن بحثا بسيطا على شبكة الأنترنيت سيضع بين أيدينا عشرت الفيديوهات عن مواجهات مثيرة للإعجاب داخل البرلمانات أو في الشوارع أوفي المؤتمرات الحزبية في أرجاء الدنيا، مما قد تهون معه مشاهد الصحون الطائرة. لكن هذا لا ينبغي ان يقودنا إلى الاستسلام لسحر المقارنات لأفراغ هذا السلوك المحتقن من محتواه والامتناع عن محاولة فهمه وتحليل أبعاده وأسبابه. ومرة أخرى نرى كيف ان سلوك جسمنا الإعلامي، أفرادا ومؤسسات، لم يكن في مستوى الحدث، ولم يعالجه بما يعكس تجذر ونضج الممارسة الإعلامية المستقلة والمهنية. لم نر بلاطوهات تخصص للواقعة، ولم نر صحفيين يلهثون وراء ما وراء الأحداث، ولم نر نقاشا في الفضاء الإعلامي المرئي والمسموع باستثناء الكابسولات الباحثة عن البوز والمعلبة بشكل فج.

إذا قبلنا التحليل الذي يقول إن "المخزن" كان بشكل ما قريبا مما جرى، سواء كان هذا المخزن قد خطط للعملية ونفذها أم ركب على تداعياتها وسعى إلى استثمارها، فإن ذلك يؤكد وجود أزمة سياسية، من أهم أسبابها هيمنة ثقافة تعتبر أن "الدولة" (بالرغم من طابعها المجرد في الحقيقة) هي دائما أرشد من الشعب ومن نخبه العينية. هذه الثقافة التي سرعان ما يتماهى معها كل موظف من موظفي الدولة، في مواجهة المنتخبين، أو السياسيين، تجعل وزارة الداخلية وعمالها وولاتها مثلا، أرشد من ممثلي الشعب الموجودين في المجالس المنتخبة، والحكومة أرشد من البرلمان، والقصر أرشد من جميع المؤسسات المكونة للدولة. وقس على ذلك. وقد مر علينا زمن كان فيه الملك "يحسن اختيار" الكتاب العامين للوزارات التي يسيرها وزراء حكومته، عوض أن يتركهم يختارونهم بأنفسهم، مكرسا بذلك فكرة أن الإدارة أرشد وأقوى من الوزراء السياسيين الذين تقع تحت إمرتهم. ومر علينا زمن كان ينظر فيه إلى الوزراء التكنوقراط (أي في الواقع الوزراء الذين يختارهم الملك ولا سند لهم في السياسة) على أنهم أكثر كفاءة من زملائهم السياسيينوأكثر قدرة على ابتكار الحلول السحرية لأزماتنا، ولعل إسناد وزارة التربية الوطنية في الحكومة السابقة والحالية إلى وزيرين بلا خلفية سياسية مثال على هذه النظرة المتعالية على كل ما يمكن أن يأتي من طريق الاختيار الشعبي.

هذه الثقافة هي التي ظلت تسوغ ما سمته أطراف من الحياة السياسية بالتحكم. أدى التحكم منذ فجر الاستقلال إلى احتباس سياسي، حيث لم يتح للفاعلين أن يطوروا بالفعل "مهارات ديمقراطية" لتدبير طموحاتهم، وعزز الزبونية في اوساط النخب. وكرس فكرة أن هناك من يحرس ديمقراطيتنا غير الراشدة، إلى أن تصل إلى مستوى الرشد. ومعلوم أن الشخص الذي لا يعامله أبواه إلا كطفل ناقص الخبرة، سيظل دوما ناقص الخبرة أو عديمها؛ بل سيطور سلوكا يكرس هذا الوضع ويؤبده ويحاول أن يستفيد منه بانتهازية وكسل كبيرين.

لكن الفرق بين حالتي الولد غير الراشد والشعب غير الراشد هو أن الأول له أبوان لا تحركهما إلا نزعة الأبوة الزائدة، بينما الثاني، وراءه مخزن دوافعه متعددة ليس من بينها دافع الأبوة، خصوصا إذا فهمنا المخزن على أنه في الواقع تحالف مصلحي له ما يخاف عليه ويرفض اقتسامه مع غيره.

بالرغم من النوايا الحسنة الكامنة وراء مبررات التحكم، لا بد من أن نحمله جزءا كبيرا من المسؤولية عن بقاء ديمقراطيتنا فجة لا تنضج أبدا. ومن هنا، لا ينبغي أن نكتفي بلوم الأحزاب المريضة على عدم قدرتها على الشفاء. لا بد من إلقاء نظرة ولو عابرة على وصفة الدواء التي ظل الطبيب يمليها عليها.

عز الدين بونيت

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "صوت اكادير".

الأكثر مشاهدة

مواضيع ذات صلة